حزب الإنصاف: نحو مقترح لإعادة هيكلة الإقلاع السياسي/ محمد لحظانه

رغم ما يمتلكه حزب الإنصاف من قاعدة شعبية واسعة، وانتشار جغرافي معتبر، وإمكانات تنظيمية مهمة، فإن تعثر إقلاعه السياسي لا يبدو مرتبطًا بنقص في عناصر القوة بقدر ما يرتبط بضعف تحويل هذه الإمكانات إلى فعل سياسي منظم وفعّال ومؤثر.

فالإشكال الحقيقي لا يكمن في توفر الشروط، بل في غياب منظومة حزبية قادرة على استثمارها سياسيًا، وتحويل الامتداد التنظيمي إلى حضور فاعل داخل الفضاء العام، بما يجعل الحزب منتجًا للمبادرة والتأثير لا مجرد إطار واسع الانتشار.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة هيكلة الوظيفة الحزبية نفسها، بما يسمح بالانتقال من منطق التسيير الإداري إلى منطق الفعل السياسي المنتج. وفي هذا السياق، فإن ما يظهر من إرهاصات داخل الحزب في ظل القيادة الحالية ما يزال بعيدًا عن تشكيل مسار فعلي لإعادة الهيكلة بالمعنى العميق المطلوب، خصوصًا مع استمرار ضعف الأنشطة الموجهة إلى القواعد الشعبية مقابل التركيز على أنشطة عامة يغلب عليها الطابع الإعلامي.

وتبدأ هذه الهيكلة ببناء رؤية سياسية واضحة ومتماسكة، لا تكتفي بتدبير اليومي، بل تصنع الاتجاه، وتؤطر النقاش العام، وتنتج نخبًا قادرة على القيادة والتأثير واستقطاب الطاقات، بما يضمن استمرارية الفعل السياسي داخل الحزب.

كما تفرض إعادة الهيكلة إعادة النظر في الواجهة الحزبية، عبر بنائها على أسس أكثر قربًا من القواعد الشعبية، وهو ما لا يتوفر بالقدر الكافي حتى الآن، بما يردم الفجوة بين القيادة والامتداد الشعبي، ويمنح الحزب قدرة أكبر على التعبئة والحضور في اللحظات السياسية الحاسمة.

ولا تكتمل فاعلية أي واجهة حزبية ما لم تكن متصلة اتصالًا مباشرًا بقواعدها الاجتماعية والشعبية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من الحضور المناسباتي إلى الحضور الميداني المنتظم، عبر فتح قنوات دائمة للاستماع إلى المواطنين وإشراك الشباب والنساء والأطر والكفاءات المحلية في الأنشطة الحزبية، بما يحول القواعد الشعبية إلى شريك فعلي في صناعة المبادرة السياسية لا مجرد رصيد انتخابي يُستدعى عند الاستحقاقات.

وإذا كان الحزب مطالبًا بتعزيز حضوره داخل المجتمع، فإنه مطالب بالقدر نفسه بإعادة تعريف علاقته بالحكومة، بحيث تنتقل من علاقة شكلية أو ظرفية، بل وفي الغالب الأعم من غياب علاقة مؤسسية حقيقية، إلى شراكة سياسية مؤطرة يصبح فيها الحزب امتدادًا سياسيًا للسياسات العمومية ورافعة لشرحها والدفاع عنها وتثمين نتائجها لدى الرأي العام.

وتفرض هذه العلاقة الجديدة امتلاك أدوات اتصال سياسي أكثر فاعلية، تقوم على شرح السياسات العمومية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بلغة مبسطة وقريبة من المواطن، مع تطوير الحضور الإعلامي والرقمي للحزب وتعزيز قدرته على التفاعل مع الرأي العام ومواكبة النقاشات الوطنية بصورة أكثر مهنية وتأثيرًا.

وحتى يكتسب هذا الجهد الاستمرارية والفعالية، تبرز الحاجة إلى تطوير آليات المتابعة والتنسيق بين مختلف الهيئات الحزبية، وإرساء برامج مستمرة لتكوين وتأهيل الكوادر الحزبية، واعتماد آليات تقييم دوري للأداء وفق مؤشرات واضحة، بما يعزز الانسجام التنظيمي ويرفع من مستوى الجاهزية السياسية للحزب.

وعندئذ يصبح الحزب أكثر قدرة على الاضطلاع بدوره الطبيعي في التعريف بما تحقق من إصلاحات وبرامج وطنية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، وإبراز آثارها على حياة المواطنين، إلى جانب تسليط الضوء على ما تحقق في مجالات الأمن والاستقرار والتنمية المحلية والحضور الدبلوماسي لموريتانيا، بما يعزز ارتباط المواطن بالمنجز الوطني ويقوي الثقة في السياسات العمومية.

إن إعادة هيكلة الرؤية السياسية، وتجديد الواجهة الحزبية، وتعزيز القرب من المواطنين، وإرساء علاقة مؤسسية متينة مع الحكومة، وتطوير أدوات التنظيم والاتصال، تمثل في مجموعها الشروط الأكثر إلحاحًا لأي إقلاع سياسي حقيقي. فالمسألة في جوهرها ليست نقصًا في الإمكانات، بل خلل في تنظيم الوظيفة السياسية لهذه الإمكانات وفي كيفية توظيفها وتوزيع الأدوار داخل الحزب بما يضمن النجاعة والفعالية.

ومن هذا المنطلق، فإن هذا المقترح لا يُقدَّم كتشخيص نهائي، بل كمساهمة شخصية مفتوحة للنقاش، هدفها إعادة التفكير في شروط الإقلاع السياسي الممكن داخل حزب الإنصاف، في سياق دعم مسار الدولة بقيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وتحويل عناصر القوة المتوفرة إلى قوة سياسية منظمة وقادرة على التأثير والمواكبة والتعبئة.

 

 

 

j