قلقٌ مشروع… أم هاجسٌ سياسي؟/ محمد لحظانه

كلما اقتربت نهاية المأمورية الرئاسية، عاد سؤال الخلافة ليفرض نفسه بهدوء على النقاش العام، لا باعتباره ترفًا سياسيًا أو انشغالًا سابقًا لأوانه، بل لأنه يرتبط بطبيعة المرحلة نفسها وما راكمته من رهانات وانتظارات. فالمجتمعات التي تنعم بقدر من الاستقرار، وتتابع مسارًا إصلاحيًا ولو بوتيرة متدرجة، تصبح أكثر حساسية تجاه سؤال “ما بعد المرحلة”، وأكثر حرصًا على صون التوازن الذي تحقق عبر مسار غير سهل.

ومن هنا، يتولد شعور لا يمكن تجاهله، حتى لدى المؤمنين الصارمين بمنطق المؤسسات واحترام التداول الدستوري. فالدولة الحديثة، رغم وضوح قواعدها، لا تُدار بالنصوص وحدها، بل بما يتراكم حولها من ثقة سياسية ومناخ عام مطمئن. لذلك يظل القلق من لحظة الانتقال مفهومًا حين يُخشى أن يتحول التغيير إلى ارتباك، لا إلى امتداد هادئ للتجربة.

وتزداد هذه الحساسية حضورًا حين تُقاس اللحظة السياسية الحالية بما راكمته من تحديات داخلية وإقليمية، في ظل غياب مؤشرات واضحة ـ حتى الآن ـ على بروز نموذج سياسي يحمل الخصائص نفسها التي طبعت المرحلة الحالية، من حيث الهدوء في إدارة الملفات، والقدرة على احتواء التباينات، وتقديم الاستقرار كأولوية تتقدم على منطق الاصطفاف السياسي.

فليست كل المراحل قادرة بالضرورة على إنتاج امتداد مماثل لها، وليست كل التحولات مضمونة النتائج لمجرد أن الدستور يؤطرها. فبعض التجارب السياسية تُقاس أهميتها لا فقط بما أنجزته، بل بما رسخته من إحساس بالثقة في الدولة، وبقدرتها على إدارة التوازن وسط التعقيد.

ومن هذا المنطلق، يصبح القلق مرتبطًا باستمرارية النهج أكثر من ارتباطه بتبدّل الأشخاص. فالسؤال الأعمق ليس: من سيخلف الرئيس؟ بل: هل نجحت المرحلة في ترسيخ بيئة سياسية ومؤسسية قادرة على إنتاج الامتداد الطبيعي لهذا المسار؟ أم أن جزءًا من التوازن ظل مرتبطًا بطبيعة القيادة أكثر من ارتباطه بصلابة المؤسسات؟

وهنا تحديدًا تتجلى حساسية النقاش. فالمجتمعات لا تخشى التغيير في حد ذاته، بل تخشى أن يتحول الانتقال من فرصة لتعزيز المكتسبات إلى لحظة ارتباك تُضعف الثقة المتراكمة بهدوء، وتفتح المجال أمام عودة الاستقطاب.

لذلك، فإن سؤال “ما بعد المأمورية” لا ينبغي أن يُقرأ كحنين إلى الأشخاص، ولا كمصادرة لمنطق التداول، بل كتعبير عن قلق مشروع على تجربة يُخشى أن تكون استمراريتها أصعب من بدايتها. ففي حياة الدول، ليست كل المراحل قابلة للاستنساخ، وليس كل الفراغات سهلة الامتلاء.

وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الحقيقي في من سيأتي بعد المرحلة، بل في ضمان ألّا تضيع معها فلسفة التهدئة، وروح التوازن، والقدرة على إدارة الاختلاف بعقل الدولة، لا بانفعال اللحظة.

 

j