في المشهد السياسي، لا تكون المفارقات دائما محض صدفة، بل غالبا ما تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة ومحيطها. ومن أبرز هذه المفارقات أن يتصدر عامة الناس والنشطاء واجهة الدفاع عن الرئيس، بينما يلوذ المقربون من دوائر القرار بالصمت، كأن الأمر لا يعنيهم، أو كأنهم فوق ضجيج المعركة.
يعلو صوت البسطاء، مدفوعين بالقناعة أو الخوف أو حتى بالأمل في استقرار يرونه هشا، فيخوضون معارك الكلمة والانتماء دون حسابات معقدة. أما أولئك الذين تحيط بهم الامتيازات وتثقلهم المناصب، فيتقنون فن التواري؛ فلا يظهرون إلا حين تلوح مكاسب، ولا يُرى لهم أثر حين تلوح كلفة أو مساءلة.
هنا ينقلب ميزان المشهد: من يملك أقل، يدافع أكثر، ومن يملك أكثر، يخاطر أقل. وليس لأن الحقيقة أوضح عند الأول، بل لأن الثاني يدرك أن كلفة الموقف قد تتجاوز حدود المكسب، فيختار الصمت درعا، والحياد الظاهري سياسة.
إنه صمت ليس بريئا دائما، بل قد يكون تعبيرا عن براغماتية باردة، ترى في السلطة وسيلة لا قضية، وفي القرب منها امتيازا يجب الحفاظ عليه لا الدفاع عنه. وبين ضجيج المدافعين وصمت المستفيدين، تضيع أحيانا ملامح المسؤولية، ويُترك المجال لرواية واحدة يكتبها من لا يملكون سوى أصواتهم.
أراقب المشهد فأراه مقلوبا: من لم ينل شيئا، يقاتل بالكلمة، ومن نال الكثير، يلوذ بالصمت. كأن القناعة تسكن الأطراف، بينما تسكن الحسابات قلب الدائرة. وكأن من لا يملك يخوض المعركة كاملة، بينما يخشى من يملك حتى إعلان موقف.
لا أطلب المستحيل، ولا أحمّل أحدا ما لا يطيق، لكني أتساءل: أليس من الوفاء أن يدافع المرء عمن منحه الثقة؟ أليس من الشجاعة أن يظهر حين تشتد الحاجة، لا حين تهدأ العاصفة؟
وحتى على مستوى التنويه والإشادة بالإنجازات، فإن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة كان لافتا، وظل بعضها، إلى وقت قريب، حلما بعيد المنال. فمن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر:
-تعزيز الاستقرار والأمن: حيث حافظت موريتانيا على مستوى عالٍ من الاستقرار مقارنة ببعض دول الساحل، مع تطوير قدرات الجيش وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب، واستمرار التنسيق الأمني مع دول الجوار.
-تحسين المجال الاجتماعي: من خلال إطلاق برامج دعم للفئات الهشة، وتوسيع التغطية الصحية للفئات الأقل دخلا، إلى جانب دعم قطاع التعليم والخدمات الأساسية، حيث شهدت رواتب المعلمين زيادات غير مسبوقة منذ الاستقلال، كما فاق عدد المدارس التي تم بناؤها منذ 2019 ما تم إنشاؤه خلال عقود سابقة.
ورغم ذلك، لم نسمع إشادة تُذكر من أولئك الذين يُفترض أنهم الأقرب إلى دوائر القرار والأكثر انتفاعا منه. ومع ذلك، سيبقى آخرون في الصفوف الأولى، تدفعهم قناعاتهم الراسخة بأن خيارهم في دعم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كان خيارا سليما وموفقا.








