لماذا يجبروننا على الإيمان بحتمية الصدام بين السلف والخلف ؟! / سعدبوه الشيخ محمد

أحد, 18/08/2019 - 14:17

تعتبر الساحة السياسية، والإعلامية في موريتانيا حساسة للغاية، وسريعة الاستجابة لأي مؤثر، والتفاعل مع أي عامل، تصريحا كان، أم تلميحا، فبمجرد تصريح وزير أو مسؤول حزبي بموقف ما، تضج صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع الإنترنت بالتحليل، والتعليق، كل يـُفسر، ويحلل، ويستنتج ما يحلو له، وحتى إذا لم يوجد ذلك التصريح الذي يمكن اتخاذه سببا لهذا السجال، يتم اعتبار السكوت في حد ذاته موقفا يمكن البناء عليه!!.

من المصائب التي عانت منها موريتانيا منذ الاستقلال أنها كلما حكمها رئيس لعن من قبله (كلما جاءت أمة لعنت أختها)، واعتبره سبب كل بلاء، وبذلك فقدت البلاد خاصية الاستفادة من التراكم الإيجابي، والسلبي، وهي مسألة ضرورية لنهوض الدول، فسياسة الأرض المحروقة، والبداية من الصفر لا تبني الدول، ولعل هذا ما استحضره فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في خطاب إعلان ترشحه، عندما أكد أن جميع رؤساء موريتانيا كل منهم وضع لبنة في صرح بناء الوطن، وأنه هو سيكمل ما بدؤوا، ويسد الخلل، ويستفيد من تجاربهم، كان هذا في أول إطلالة إعلامية انتظرها الشعب لمعرفة كيف يـُفكر المرشح حينها ولد الشيخ الغزواني، وقد أثار ذلك الخطاب ردود فعل مرحبة حتى من قبل المعارضين للنظام، واعتبروه سابقة في الحياة السياسية في البلد، فالرئيس ولد الشيخ الغزواني ليس شخصا "صداميا"، ولا انتقاميا، بل أكثر من ذلك ليس رئيسا مـُصابا بجنون العظمة، أو يعتقد لنفسه الكمال، بل هو رئيس مـُنفتح على الجميع، يحرص على إشراك الجميع، ويحترم الجميع، وهو ما أكدته خطاباته خلال الحملة الانتخابية، فلماذا يـُصر البعض على افتعال معارك لا وجود لها إلا في أذهانهم، لماذا يريدون إقناع الناس بحتمية الصدام بين الماضي القريب، والحاضر والمستقبل ؟، والسؤال الأبرز، ما مصلحة موريتانيا كبلد في مثل هذه المعارك العبثية ؟؟؟!!.

إن على الجميع أن يتعود على رؤية أشياء مختلفة تماما عن المألوف في الحياة السياسية في البلد، فمشهد رئيس مـُنتخب في الشوط الأول يـُسلم السلطة لرئيس آخر منتخب في الشوط الأول، لم يكن هذا هو المشهد الوحيد غير المألوف هنا، بل إن على الجميع أن يـُحضروا أنفسهم للتعايش مع رئيس في السلطة لا يلعن سلفه، ورئيس سابق لا يحارب خلفه، فالرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز قال في آخر مؤتمر صحفي له إنه دعم المرشح – حينها- محمد ولد الشيخ الغزواني، وسيظل يدعمه بعد انتخابه رئيسا، فما وجه الاستغراب في هذا ؟؟، أولم يكن الرجلان شريكين في رسم سياسة، وإدارة البلد منذ سنوات، أولم تفشل محاولات زرع الفرقة والعداوة بينهما؟؟!.

إن الأمر الذي يريد البعض حدوثه، وينتظر وقوعه – وسيطول انتظاره- هو أن يـُعلن أحد الرئيسين (السابق، والحالي) قطيعته مع الآخر، أو يعمل السابق على تقويض حـُكم الحالي، أو يقوم الحالي بتهديد ومضايقة السابق، والواقع أن الرجلين يفكران بشكل مختلف تماما، فمعركتهما هي معركة بناء موريتانيا، وكل منهما يعتبر ما أنجزه الآخر مفخرة له، ورصيدا يـُحسب لصالحه، فرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني قالها بالعربي الفصيح – وهو الرجل الفصيح- أثناء خطاب الترشح، وخطاب التنصيب: إن موريتانيا شهدت في العشرية الأخيرة إنجازات هامة، ونقلة نوعية سنبني عليها ونعتز بها...، وبما أن الرجل – كما قال وفعل- "للعهد عنده معنى" فمن السذاجة أن يتوقع أحد أن ينكث بتعهداته، أو يتنكر لأقواله !!.

على الجميع أن يفهم أنه لا شيء يـُجبر رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني على تقديم كشف حساب، أو إعلان نوايا عن علاقته بزميله الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، فكلال الرجلين عبر عن طبيعة هذه العلاقة، وهي بالمناسبة ليست علاقة وليدة اللحظة، أو السلطة، بل هي علاقة شخصية مستمرة منذ أكثر من ثلاثين سنة، وعلى الجميع التركيز على ما ستشهده موريتانيا من تحولات إيجابية، وإصلاحات كبرى، وتنمية شاملة لصالح الشعب، فهذا هو الأهم، أما افتعال المعارك الجانبية الوهمية، وتسويق الاستنتاجات الخاطئة، فلن يربك خطوات الرئيس ولد الشيخ الغزواني، ولن يدفعه للتصرف عكس ما يخطط له، فهو وحده المسؤول – بتفويض من الشعب- عن إدارة شؤون البلد لخمس سنوات قابلة للتجديد بتفويض شعبي جديد، أما التقدير والاحترام الذي يكنه الرئيس ولد الشيخ الغزواني لزميله، وسلفه الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز فهو موقف يتشاطره مع غالبية الشعب الموريتاني التي انتخبت الرجل لمأموريتين متتاليتين، وعبرت عن تقديرها له، ولا جديد في ذلك.