لا تُقاس حيوية الأحزاب بقدرتها على حشد الجماهير أو استعراض الخطابات، بل بمدى أصالتها في ابتكار رموزها ورؤاها النابعة من واقع مجتمعها. غير أن المشهد السياسي المحلي يستوقف المتابع بظاهرة عجز ابتكاري كاشفة؛ تتمثل في الاستسهال والاستعارة المستمرة للشعارات والأدوات الرمزية.
وما بين رفع "المكنسة" رمزاً للتطهير السياسي محاكاةً للتجربة السنغالية، وافتتاح الموسم السياسي بشعار "اللاءات الثلاث"، ينكشف عمق المأزق.
إن هذا النزوع للتقمّص لا يعبر عن مرونة بل عن فقر في المخيلة التعبوية، ويجعل الخطاب السياسي مجرد صدى لتجارب الآخرين.
فحين رُفع شعار "اللاءات الثلاث" في قمة الخرطوم عام 1967، كان معبرا عن موقف تاريخي حاسم و عن إرادة أمة في لحظة صراع وجودي.
أما إسقاط هذا الشعار قسراً على مناكفات محلية حول (المأمورية الثالثة، والفساد، والحريات)، فيُمثل تفريغاً للرمز من محتواه.
إن استدعاء الملاحم التاريخية لخدمة المزايدات الموسمية يكشف الفجوة الهائلة بين ثقل الاستعارة وهوان المناسبة.
إن خطورة هذا النهج لا تتوقف عند حدود الإعلام، بل تعيد إلى الأذهان مؤشرات الانكسار التي سبقت انهيار التجربة اليسارية في العالم العربي. لقد وُلد ذلك التيار محملاً بأزمة إفلاس مبكرة نتيجة "الاستيراد الكلي" لقاموسه وشعاراته المعلبة من الخارج دون تبيئتها الاجتماعية.
لقد كان ذلك العجز عن الابتكار والارتهان للمصطلحات الجاهزة غطاءً لفقر واقعي، وهو ما شخّصه المفكر المغربي عبد الله العروي حين أشار إلى أن الأيديولوجيات المعربة عانت من اغتراب فكري لأنها اقتطعت المفاهيم من سياقها التاريخي واستوردتها كأصنام تنظيرية. وفي ذات السياق، اعتبر المفكر الجزائري مالك بن نبي أن أزمة المجتمعات والساسة تكمن في استهلاك "الأفكار الميتة والمقتبسة"، مؤكداً أن الفكر المتسول لا يستطيع صناعة نهضة، وأن الشعار المستعار يولد ميتاً لأنه يفتقد شروط إنتاجه الذاتي.
إن الشارع اليوم لم يعد ينخدع بالرموز المقتبسة من التلفزيونات المجاورة أو كتب التاريخ:
فمن يعجز عن ابتكار شعاره الوطني، سيكون أكثر عجزاً عن تقديم حلول جادة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، ولا يمكن لحزب أن يقدم نفسه كبديل تجديدي وهو يتعامل مع رمزياته بعقلية "القص واللصق".
لقد حان الوقت للساسة أن يدركوا أن القيادة لا تُبنى على المحاكاة. وإن أولى خطوات تقديم بديل جاد تقترن بالقطع مع التبعية الرمزية، والاستثمار في ابتكار رؤى نابعة من طين هذا الوطن وواقع آلامه.
ولي عودة في مقال مستقل للحديث عن التسمين الموسمي لمواقف المعارضة وبيعها في مزاد المصالح،، استنادا إلى التاريخ.








