حول أهمية توحيد خطبة الجمعة عن التعليم/ عثمان جدو

من السطحية أن ننظر إلى التعليم بوصفه مجرد نقل للمعارف وتشبع بالمهارات والتمكن في دمجهما في أنشطة، فالتعليم في حقيقته هو جوهر الحياة لأنه الأساس الذي يُبنى عليه الإنسان بناء سليما، ومن خلاله يقوى بناء المجتمع والدولة. فكلما كان التعليم قويًا متماسكا ومرتبطًا بحاجات المجتمع، كان الإنسان أكثر قدرة على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية والمساهمة في التنمية.

ولاغرابة في كون التعليم هو أساس بناء الإنسان والمجتمعفهو أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الدول على الاطلاق، لأنه يستهدف الإنسان الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي مجتمع. فبالتعليم يتعلم الفرد القراءة والكتابة، ويكتسب المعرفة الضرورية والمهارات اللازمة، ومن خلال ذلك يتعلم قيم الانضباط والمواطنة والتسامح واحترام القانون والعمل الجماعي والإنتاج المثمر.

ولا يمكن لأي لمجتمع أن يحقق نهضة حقيقية إذا بقي جزء كبير من أبنائه خارج دائرة التعليم الجيد. فالتعليم الجيد تذوب الفوارق الاجتماعية، وتفتح أبواب الفرص أمام الفئات الأقل حظًا، ويساعد الجميع على محاربة الجهل والفقر والتطرف والجريمة، ويُمنح الشباب والطاقات الحية وسائل مشروعة لتحقيق طموحاتهم وبلوغ غاياتهم.

وفي بلادنا تزداد أهمية التعليم أكثر فأكثر لأنه يمثل أهمالمفاتيح الأساسية لبناء دولة حديثة قادرة على استثمار طاقات الشباب والاستفادة من ثرواتها البشرية والطبيعية،ولذلك فإن إصلاح المدرسة العمومية الذي رسمنا له خطا اختاره فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بمحدداته ومميزاته حتى في تسميته المدرسة الجمهورية، لا ينبغي أن يقتصر تقييمه على النجاح في بناء الفصول الدراسية رغم أهميتها ومحوريتها في تجاوز مشكل الاكتظاظ واحتواء التعليم الخاص في المرحلة الابتدائية احتواء كليا، ولا في توفير الكتب المدرسية التي تعتبر حجر الزاوية في العملية التربوية، ولا حتى في بعض الإصلاحات التي ضبط من خلالها القطاع أوالتحسينات المادية الي لا مست شغاف قلوب المدرسين، بل أبعد من ذلك يجب أن نحقق مقاصد كبرى من قبيل حصول جودة التعليم بأرفع المستويات، والسبيل إلى ذلك منه تكوين المدرسين تكوينا فعلا ليس أوليا في مدارس التكوين فحسب بل مستمرا يلازمهم في الميدان، وتحسين ظروف المدرسين خاصة من خلال رفع الأجور المباشرة، وتطوير المناهج بحيث تراعى المستجدات التي لا تهمل انشغالات الشباب اليوم التي تعتبر تحدي كبير للمنظومة التربوية؛ خاصة ما يزاحمها من (جمهورية تيك توك اللعينة) ومن المحسنات المعينة الرافعة للتعليم؛ تعزيز التعليم المهني والتقني، وربط التكوين بحاجات سوق العمل، ومضاعفة الاستثمار في التعليمعموما لأن ذلك هو عين معرفة حقيقة الاستثمار.

إن التلميذ الذي نطالب المدرسة اليوم بتكوينه تكوينا جيدا هو المواطن يوم غد وهو الخيط الناظم لنسيج المجتمع. ذلك المجتمع الذي يحتاج إلى أجيال تعرف حقوقها وواجباتها، مالها وما عليها تجاه وطنها، وتحترم التنوع وتعتبره مصدر قوة وفخر واعتزاز، وتؤمن بقيمة العمل الذي هو إكسير الحياة الجماعية، وترفض العنف والفساد والتمييزابتعادا عن تخريب بيان الأوطان، وتدرك أن مستقبل الوطن مسؤولية مشتركة لا بد أن تُصان بسواعد جميع أبنائه.

وعلينا أن ندراك أن مسؤولية بناء الإنسان لا تقع على المدرسة وحدها؛ فجانب الأسرة من ذلك لا غنى عنه وجانب المسجد الذي هو محور هذه الخطبة الموحدة أكثر من مهم، فمنبر المسجد ظل عبر العصور هو بوابة الإصلاح ونافذة تهذيب الأخلاق ومركز استنهاض الهمم واستجاشة العواطف الحميدة خدمة للصالح العام، وما الإعلام والمجتمع المدني ومرافق الدولة إلا شركاء في العملية التربوية ولكل منهم دوره الذي لابد أن يقوم به على الوجه المطلوب، فمثلا؛ إذا تناقض ما يتعلمه الطفل في المدرسة مع ما يراه في البيت والشارع ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن أثر التعليم سيضعف مهما كانت جودة المناهج.

أخيرا إن بناء مدرسة جمهورية قوية هو في الحقيقة التي لا مراء فيها بناء لمجتمع قوي متماسك، وإصلاح التعليم ليس مشروعًا قطاعيًا عابرًا، بل هو مشروع وطني طويل المدى..فالمباني والطرق والمصانع يمكن أن تُنجز في سنوات، أما الإنسان المتعلم والواعي والقادر على قيادة التنمية إنما هوحصيلة استثمار طويل وطويل في جودة التعليم.

ومن هنا يمكن القول: إذا أردنا تغيير المجتمع، فعلينا أن نبدأ من المدرسة؛ وإذا أردنا بناء مستقبلنا بشكل سليم، فعلينا أن نستثمر أولًا في الإنسان عن طريق المدرسة.

 

j