ليست كل مرحلة سياسية مطالبة بأن تثبت قوتها بالصوت المرتفع، ولا كل سلطة مطالبة بأن تجعل الناس يخافون منها حتى يقال إنها قوية.
هناك قوة أخرى، أكثر هدوءًا وأبقى أثرًا: أن تُصلح الإدارة، وتراجع الاختلالات، وتفتح باب الحوار، وتدفع نحو بناء مؤسسات أكثر قدرة على أداء وظائفها. فالدولة لا تصبح قوية بمجرد قوة من يتولى قيادتها، وإنما بقوة مؤسساتها وقدرتها على الاستمرار بعد الأشخاص.
ولعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أشار إلى هذا المعنى في مقابلته الأخيرة، حين ربط بين بناء مؤسسات قوية وبناء دولة قوية. وهي فكرة تتجاوز شخص الرئيس أو المرحلة، لأنها تضع معيارًا مختلفًا للقوة السياسية: ماذا نترك وراءنا من مؤسسات وقواعد، لا كم نستطيع أن نُخضع من أشخاص.
وفي مجتمعات تتداخل فيها السياسة مع النفوذ الاجتماعي والقبلي، يصبح هذا التحول أكثر أهمية. فالمطلوب ليس أن تحل الولاءات محل المؤسسات، ولا أن تتحول الحماية السياسية إلى بديل عن ضمانات الدولة، وإنما أن يصل المواطن إلى حقه بالقانون، وأن يستمد المسؤول مكانته من الكفاءة، وأن يجد الحاكم نفسه، بعد مغادرته، محميًا بمنظومة عدالة لا بشبكة نفوذ.
ومن هنا، فإن إصلاح الديمقراطية لا يكون بالعودة عنها، وإصلاح الإدارة لا يكون بالخوف، واستقرار الحكم لا يكون بتوسيع دائرة الولاءات. الطريق الأصعب، وربما الأبطأ، هو بناء قواعد تجعل الدولة أقل اعتمادًا على الأشخاص، وأكثر قدرة على الاستمرار بذاتها.
ذلك هو المعنى الأعمق للاستقرار: ألا يكون استقرار مرحلة أو شخص، بل استقرار مؤسسات.
فالقوة التي تنتهي بانتهاء صاحبها قوة عابرة، أما قوة المؤسسات فهي الإرث الذي يبقى للدولة بعد الجميع.








