عادت طوابير السيارات، للتكدس أمام عدد من محطات الوقود في العاصمة نواكشوط، في مشهد يتكرر مع نهاية كل شهر، رغم تأكيدات وزارة الطاقة والنفط أن السوق الوطنية تتوفر على مخزون كافٍ من المحروقات، وأن عمليات التموين تسير بصورة طبيعية.
وتأتي عودة الطوابير بعد أقل من شهر على اجتماع عقده وزير الطاقة والنفط مع موزعي المحروقات، شدد خلاله على أن الاختلالات لا تعود إلى نقص في البنزين أو الديزل، بل إلى امتناع بعض أصحاب المحطات عن التزود بالمحروقات أو بيعها بصورة منتظمة، في انتظار تغير الأسعار، وهو ما اعتبره مخالفة للقانون، ملوحًا بتشديد الإجراءات والعقوبات إذا استمرت هذه الممارسات.
وأكد الوزير حينها أن الحكومة تمكنت حتى خلال أزمة الشرق الأوسط من الحفاظ على تموين السوق الوطنية دون أي انقطاع، داعيًا الموزعين إلى ضمان تزويد المحطات طوال الشهر وعدم ربط عمليات البيع أو التزود بأي توقعات تتعلق بالأسعار.
ولم يقتصر التعبير عن الامتعاض على الأصوات داخل الطوابير الممتدة أمام المحطات، بل انتقل إلى منصات التواصل، حيث اثارت ردود فعل متباينة بين المدونين والفاعلين السياسيين والإعلاميين حول أسباب الأزمة والجهة التي تتحمل مسؤوليتها.
النائب البرلماني المرتضى ولد اطفيل كتب"أصبحت نهاية الشهر تمثل كابوسا لأصحاب السيارات بسبب ارتفاع للمحروقات وندرتها في المحطات وصعوبة الحصول عليها."
ورأى المدون المنتصر بالله أن المشهد يعكس عدم اكتراث موزعي المحروقات بتحذيرات وزير الطاقة، معتبرًا أن ذلك يكشف حدود فاعلية السلطة التنفيذية في فرض قراراتها.
أما عابدين الحاج، ومعه محمد فاضل ولد الحبيب، فذهبا إلى أن بعض أصحاب المحطات يعمدون إلى تقليص البيع انتظارًا لزيادة مرتقبة في الأسعار، في إطار ما وصفاه بسياسة الاحتكار.
وفي تعليق ساخر، كتب سيدي محمد لحبيب: “مع ذلك هناك رضى عن الأداء الحكومي”، بينما اختصر الشيخ أحمد لمتونه موقفه بالقول: “التاجر لا يخاف من الوزير”.
من جانبه، أثار الصحفي عبد الله ولد اتفغ المختار تساؤلات حول مصير كميات البنزين التي قال إنها تصل إلى المحطات يوميًا، متسائلًا: “أين يذهب كل هذا البنزين؟ وهل يتم تهريب جزء منه إلى الدول المجاورة؟”، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا ينفي وجود الازدحام الذي عاينه ميدانيًا.
هذا الطرح دفع النائب محمد الأمين سيدي مولود إلى التعليق بأن ثبوت فرضية التهريب يعني وجود “فشل أمني يضاف إلى الفشل التنموي”.
أما الدكتور خالد الغزالي، فدعا إلى تشديد الرقابة بوضع عناصر أمن عند المحطات، ومعاقبة أي محطة ترفض البيع أو تحتكر الوقود إذا ثبت ذلك.
ورأى سيد أحمد بوبكر أن الظاهرة تستدعي آلية رقابية ترافق شاحنات نقل الوقود حتى تفريغها في المحطات، ثم متابعة عمليات البيع للمستهلكين، معتبرًا أن الوضع لم يعد مقبولًا.
بدورها، تساءلت الناشطة خديجة سيدينا باقتضاب: “أين الدولة؟”، فيما طالب حمود النباغه بفتح تحقيق في ما وصفه بالتلاعب الذي يضر بالمواطنين وبصورة البلاد.
وفي زاوية أخرى من المشهد، أشار موسى محمد الأمين إلى ظهور ممارسات جديدة داخل الطوابير، قائلاً إن بعض الأشخاص يحجزون أماكنهم منذ ساعات الفجر ثم يبيعون مواقعهم في الصفوف مقابل مبالغ مالية، في مشهد يعكس تحول الأزمة إلى فرصة للربح بالنسبة للبعض.
وفي ظل هذا الجدل لم تصدر، حتى الآن أي تعليق رسمي بشأن عودة الطوابير إلى محطات الوقود في العاصمة، أو توضيح الأسباب التي تقف وراء تجدد الأزمة، وهو ما أبقى باب التساؤلات مفتوحًا حول مدى فاعلية الإجراءات التي سبق الإعلان عنها.
وبين تأكيدات الحكومة بأن الوقود متوفر، واتهامات تتحدث عن احتكار أو ضعف في الرقابة أو حتى احتمال التهريب، يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة المواطنين: إذا كانت المحروقات تصل إلى المحطات بالفعل، فلماذا تستمر الطوابير في الظهور مع نهاية كل شهر؟.








