قضية النائبتين مريم وقامو.. عفوٌ رئاسي يُغلق السجن ولا يُنهي الجدل

أعادت قضية النائبتين البرلمانيتين مريم الشيخ صمب جينغ وقامو عاشور سالم النقاش حول حدود حرية التعبير، وحصانة العمل البرلماني، وحدود تدخل مؤسسة الرئاسة في ملفات الأحكام القضائية، بعد مسار قضائي انتهى بعفو رئاسي أسقط ما تبقى من العقوبة، لكنه أبقى الجدل السياسي والقانوني مفتوحًا.

بداية القضية.. بث مباشر يقود إلى الاعتقال

بدأت القضية مطلع شهر أبريل/نيسان 2026، عقب ظهور النائبتين في بث مباشر عبر منصة فيسبوك، تضمن عبارات اعتبرتها السلطات مسيئة لشخص رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، فيما رأت جهات معارضة أنها تندرج ضمن إطار التعبير السياسي.

على إثر ذلك، أوقفت الشرطة النائبة مريم الشيخ صمب جينغ في بداية أبريل، قبل أن يتم توقيف زميلتها قامو عاشور سالم في منتصف الشهر نفسه، على خلفية ترديد العبارات ذاتها.

محاكمة وأحكام متدرجة

أحيلت النائبتان إلى القضاء، حيث أصدرت محكمة ولاية نواكشوط الغربية حكمها الابتدائي مطلع مايو 2026، بإدانتهما والحكم عليهما بالسجن أربع سنوات نافذة، بتهم مرتبطة بالمساس بالرموز الوطنية.

ولم يتوقف المسار عند هذا الحد، إذ تقدمت هيئة الدفاع بالطعن في الحكم، لتنظر محكمة الاستئناف في الملف، حيث أصدرت الأربعاء 8 يوليو 2026 قرارًا بتخفيف العقوبة إلى سنتين نافذتين، مع الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية.

وفي جلسة النطق بالحكم، حضر عدد محدود من الأشخاص، بينهم تسعة أفراد وسبعة محامين، وسط إجراءات أمنية مشددة شارك فيها نحو ثلاثين عنصرًا من الشرطة.

تخفيف جديد ثم عفو رئاسي

بعد أيام قليلة من قرار الاستئناف، عادت القضية إلى الواجهة بعد قرار جديد قضى بتخفيض العقوبة إلى سنتين مع وقف تنفيذ نصفها، مع استمرار الحكم بحرمان النائبتين من الحقوق المدنية والسياسية لمدة خمس سنوات.

وفي اليوم التالي، أعلنت رئاسة الجمهورية إصدار مرسوم رئاسي يقضي بالعفو عن النائبتين مريم الشيخ صمب جينغ وقامو عاشور سالم، حيث شمل القرار إسقاط ما تبقى من العقوبة السالبة للحرية، إضافة إلى الغرامات والمصاريف القضائية.

وقالت الرئاسة إن القرار يأتي في إطار “ترسيخ قيم التسامح والعفو وتعزيز السكينة والانسجام الوطني”، مع التأكيد على احترام استقلالية القضاء ومؤسسات الجمهورية.

عفو ينهي السجن ولا ينهي الجدل

رغم إنهاء الجانب التنفيذي من العقوبة، فإن القرار فتح بابًا واسعًا للنقاش السياسي، خاصة فيما يتعلق ببقاء آثار الحكم المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية.

النائب البرلماني محمد الأمين ولد سيد مولود اعتبر أن العفو الرئاسي لا يمثل عفوًا كاملًا، موضحًا أنه اقتصر على إسقاط العقوبة السالبة للحرية، دون إعادة الحقوق المدنية والسياسية، التي قال إنها قد تكون أهم من الحرية البدنية.

وأضاف أن “العفو الجزئي ليس عفوًا كليًا”، معتبرًا أن الملف لم يُغلق بشكل نهائي من وجهة نظره.

المعارضة: عفو أم تكريس للحكم؟

من جهته، وصف النائب بيرام الداه اعبيد العفو الرئاسي بأنه “خدعة”، معتبرًا أن الهدف منه هو منع النائبتين من ممارسة دورهما السياسي والبرلماني، وليس إنصافهما.

وقال بيرام إن النائبتين لم ترتكبا جريمة تستوجب العفو، واتهم السلطة بالسعي إلى تثبيت الحكم الصادر بحقهما وإبعادهما عن التأثير السياسي، كما انتقد ما وصفه بتدخل الرئيس في عمل القضاء.

وأكد أن النائبتين ستواصلان نشاطهما السياسي، داعيًا أنصاره إلى مواصلة التعبئة.

مؤيدو القرار: خطوة نحو التهدئة

في المقابل، رحب حزب صيانة المكتسبات الديمقراطية (حصاد) بالعفو الرئاسي، واعتبره “رسالة سياسية وإنسانية بالغة الدلالة”، ورأى فيه تأكيدًا على أهمية الحوار والتسامح في معالجة القضايا الوطنية.

وأكد الحزب أن حرية التعبير حق دستوري، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة ممارستها في إطار المسؤولية واحترام القانون وحقوق الآخرين والحفاظ على السلم الأهلي.

عائلة مريم الشيخ: “غدر وليس عفوًا”

وفي موقف مخالف للرؤية الرسمية، وصف محمد جوجه، زوج النائبة مريم الشيخ، قرار العفو بأنه “غدر وليس عفوًا”، في إشارة إلى اعتقاده بأن القرار لم يعالج جوهر القضية، ولم يرفع آثار الحكم كاملة.

تفاعل اجتماعي متباين

كما أثار القرار تفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر بعض المعلقين أن العفو يعكس قيم التسامح وإنهاء التوتر، بينما رأى آخرون أنه كان ينبغي معالجة القضية عبر مراجعة قانونية أوسع.

وقال المدون الأمين بدر الدين إن قرار العفو يعكس قيم الرئيس، داعيًا في الوقت نفسه إلى مراجعة السلوكيات الاجتماعية وفق رؤيته الدينية.

فيما اعتبر الموريتاني الأصيل أن القضية تستدعي نقاشًا حول إدخال مفهوم “التدريب على الوطنية” ضمن التشريعات، بدل الاكتفاء بالعقوبات السجنية.

قراءة في أبعاد القضية

تكشف قضية مريم الشيخ وقامو عاشور عن تقاطع عدة ملفات حساسة في المشهد الموريتاني:

أولًا: حرية التعبير وحدودها
إذ أعادت القضية طرح سؤال قديم حول المسافة بين النقد السياسي والتجريم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر برموز الدولة.

ثانيًا: مكانة البرلمانيين في النظام السياسي
فالقضية أثارت نقاشًا حول حماية النواب أثناء ممارسة أدوارهم السياسية، وحدود المسؤولية المرتبطة بخطابهم العام.

ثالثًا: العفو الرئاسي كأداة تهدئة
بينما ترى السلطة وأنصارها أن العفو خطوة لتعزيز المصالحة، تعتبره المعارضة إجراءً لا يعالج أصل المشكلة.

رابعًا: استمرار الأثر السياسي للحكم
فرغم انتهاء السجن، يبقى ملف الحقوق المدنية والسياسية نقطة خلاف رئيسية بين الأطراف.

وعلى ما يبدو، لم تكن قضية مريم الشيخ وقامو عاشور مجرد ملف قضائي انتهى بعفو رئاسي، بل تحولت إلى محطة سياسية كشفت حجم التباين في قراءة قضايا حرية التعبير، وصلاحيات المؤسسات، وحدود الخطاب السياسي في موريتانيا.

وبين من يرى في العفو خطوة حكيمة لتجاوز الأزمة، ومن يعتبره إجراءً ناقصًا لا يزيل آثار الحكم، يبقى الملف حاضرًا في النقاش العام باعتباره اختبارًا جديدًا لعلاقة السياسة بالقضاء والحريات.

 

j