في الآونة الأخيرة، عاد ملف العبودية ليُطرح في بعض الخطابات بصورة تثير التساؤل أكثر مما تقدم حلولًا، الأمر الذي يفرض التعامل معه بقدر كبير من التوازن والوعي، خاصة حين يُلاحظ أن جزءًا من هذا الطرح يُستعمل أحيانًا في سياقات لا تخدم المصلحة العامة بقدر ما تغذي الجدل والحساسيات و تشوش على إصلاحات مر١ النهج الحالي .ومن هنا، يصبح التمييز ضروريًا بين النقاش الجاد للقضايا الاجتماعية، وبين توظيفها بما يخرجها عن هدفها الإصلاحي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال ما بذلته السلطات العمومية من جهود كبيرة ومتواصلة لمعالجة هذا الملف، من خلال ترسانة قانونية جرّمت الممارسات المرتبطة به، إلى جانب سياسات اجتماعية وتنموية استهدفت تعزيز الاندماج وتوسيع فرص التعليم والعمل والتمكين الاقتصادي. وقد جاء ذلك ضمن مسار إصلاحي تدريجي أسهم في إحداث تحولات ملموسة داخل المجتمع، لا يمكن إنكارها عند تقييم المسار العام للدولة والمجتمع.
وإذا كانت هذه التحولات ثمرة سياسات عمومية، فإنها في الوقت ذاته نتاج تحولات اجتماعية وثقافية أعمق، ساهمت في تعزيز التقارب بين مكونات المجتمع، وفتحت المجال أمام أجيال جديدة لصناعة مساراتها على أساس التعليم والكفاءة والعمل، بعيدًا عن المحددات التقليدية. ومن ثم، فإن قراءة الواقع اليوم تقتضي فهمًا دقيقًا لهذه الدينامية، لا الاكتفاء بإسقاطات الماضي.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن هذا الطرح بات أكثر حضورًا لدى بعض الشباب في الفضاءات الرقمية، حيث يتحول أحيانًا من نقاش ذي طابع إصلاحي إلى أداة للاستقطاب أو لتسجيل حضور إعلامي أو سياسي. وهنا يبرز بوضوح أن جزءًا من الطاقات يتم استنزافه في جدل لا يقود إلى نتائج عملية، في حين أن التجربة تثبت أن المدخل الحقيقي لأي نهضة اجتماعية مستدامة يظل هو التعليم والمعرفة، باعتبارهما الأداة الأنجع لتجاوز الفوارق وبناء الفرص المتكافئة.
وبالتوازي مع ذلك، فإن هذا الجدل يجد أحيانًا ما يغذّيه في الخطاب السياسي أو الإعلامي، من خلال تقديم قراءات أو معطيات أو إحصاءات غير دقيقة أو غير مكتملة السياق، وهو ما يؤدي إلى إعادة إنتاج النقاش بدل توجيهه نحو مساره الطبيعي القائم على الفهم العلمي والهادئ للواقع.
وانطلاقًا من ذلك، يبدو أن هذا الملف قد استُهلك جزء كبير من طاقته في الجدل والتأويل، دون أن يوازي ذلك إنتاج حلول عملية جديدة بالقدر المطلوب. لذلك، تقتضي المصلحة الوطنية اليوم الانتقال التدريجي من إعادة تدوير هذا النقاش في صورته الجدلية، إلى التركيز على الإصلاحات البنيوية الهادئة التي تعالج جذور الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية. فالمجتمعات لا تتقدم بإعادة فتح الملفات ذات البعد الانقسامي، بل بتركيز الجهود على ما يوحدها ويعزز قدرتها على البناء.
وفي هذا السياق، ورغم أهمية بعض التدابير ذات الطابع الاجتماعي أو الإداري في التخفيف من بعض الاختلالات، فإن التجربة تؤكد أن الحلول ذات الطابع الآني أو الرمزي، إذا لم تتصل بإصلاحات عميقة في مجالي التعليم والتكوين وخلق الفرص، تظل محدودة الأثر على المدى البعيد. فالمعالجة الحقيقية تكمن في بناء قدرات الأفراد وتمكينهم من الاندماج الفعلي في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، على أساس متين ومستدام.
ومن هنا، تتأكد مسؤولية السلطات العمومية في التعامل مع هذا الخطاب بما يحقق غايته العكسية، فبدل أن يُستثمر في تكريس الانقسام، يكون الرد بتعزيز الوحدة الوطنية، وبدل إعادة إنتاج الحواجز، يتم توسيع فضاءات الاندماج وتكافؤ الفرص، وبدل التشكيك في قدرة المجتمع على تجاوز ماضيه، يتم ترسيخ واقع تنموي يؤكد هذا التجاوز بالفعل لا بالقول.
وفي المقابل، فإن توجيه النقاش الوطني نحو القضايا المستقبلية يظل ضرورة ملحة، وفي مقدمتها التعليم والتشغيل والتنمية وتحسين ظروف العيش، باعتبارها التحديات الحقيقية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وتشكل معيارًا فعليًا لنجاح السياسات العمومية.
وفي المحصلة، فإن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على استحضار أسباب التباين والانقسام، بل بقدرتها على تجاوزها وصناعة مستقبل مشترك قائم على المواطنة المتساوية، حيث يصبح معيار التقدم هو الكفاءة والعمل والإسهام في البناء، لا الانتماءات أو التصنيفات التاريخية. وهكذا تتجلى قوة المجتمعات في قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، وصياغة مسار وطني يتجه بثبات نحو المستقبل بدل الدوران في دوائر الماضي.








